السيد محمد حسين فضل الله

40

من وحي القرآن

الحيوان ، ورأوا في ذلك نوعا من الوحشيّة الإنسانيّة الّتي لا تختلف في طبيعتها وفي شكلها عن وحشيّة السباع . والجواب عن ذلك ، أنَّ مسألة الحياة لا تعالج بهذه الطريقة وأنَّ الرحمة ليست حالة شعورية تنطلق من الإحساس الساذج . فالحياة هبة اللَّه للمخلوق الحّي ، وقد أراد لها الاستمرار وفق شروط حيويّة خاصة قوامها الاعتماد المتبادل فيما بينها في عمليّة التغذي ، كما نلاحظ ذلك في عالم الحيوان - غير النباتي - الَّذي لا مجال لبقاء حياته واستمرار نظامه الوجودي إلَّا بأن يأكل بعضه بعضا بمختلف الوسائل المتنوّعة ، الأمر الَّذي يوحي بأنَّ نظام الخلق للحيوانات المختلفة في قوتها وضعفها في أصل وجودها قائمٌ على ذلك ، بحيث كانت سنَّة الكون منطلقة من المصلحة العميقة في حركة الحياة . وليس الإنسان بدعا من عالم الحيوان ، في نظام التغذية ، في حاجته الوجوديّة إلى أكل الحيوان - في نطاق خاص - فإنَّ استمرار حياته - في عناصرها القوية - يتوقف على ذلك . وفي ضوء ذلك ، نجد أنَّ مسألة مصادرة الحياة ليست شرّا مطلقا في ذاتها ، بل هي ضرورةٌ لاستمرار حياة أخرى يخضع لها النظام الكوني ، بحيث لولا ذلك لانهارت الحياة نفسها وفقدت القدرة على الاستمرار ، مما يجعلها داخلةٌ في عمق تنظيم الحياة نفسها تنوعا وتكاملا وترابطا متبادلا . وهكذا نلتقي بمسألة التعذيب ، الحاصل من الذبح ، فإنَّه تماما كالتعذيب الحاصل من الافتراس في تغذية الحيوان من الحيوان ، ولا بُدَّ من تجاوز قبحه بالتركيز على أنَّ اللَّه جعله من شؤون الفطرة في أصل الخلق مما تتقدم فيه المصلحة في جانبها الإيجابي على المفسدة في جانبها السلبي . وبذلك نعرف أنَّ الرحمة أمرٌ نسبيٌّ إذا ما قيست إلى المصلحة المتوخاة ، بالإضافة إلى الجانب الشعوري ، فقد يكون الشيء رحمة من جانب علاقته بالنظام العام وإن